ابن تيمية
28
مجموعة الفتاوى
نِعَمِهِ عَلَيْهِ ؛ وَحَاجَةِ الْعَبْدِ إلَيْهِ فِي هَذِهِ النِّعَمِ ، وَلَكِنْ إذَا عَبَدُوهُ وَأَحَبُّوهُ ؛ وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ؛ دَخَلُوا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ؛ وَنَظِيرُهُ فِي الدُّنْيَا مَنْ نَزَلَ بِهِ بَلَاءٌ عَظِيمٌ أَوْ فَاقَةٌ شَدِيدَةٌ أَوْ خَوْفٌ مُقْلِقٌ ؛ فَجَعَلَ يَدْعُو اللَّهَ وَيَتَضَرَّعُ إلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ لَهُ مِنْ لَذَّةِ مُنَاجَاتِهِ مَا كَانَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْحَاجَةِ الَّتِي قَصَدَهَا أَوَّلاً ؛ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ أَوَّلاً حَتَّى يَطْلُبَهُ وَيَشْتَاقَ إلَيْهِ . وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ ذِكْرِ حَاجَةِ الْعِبَادِ إلَى اللَّهِ دُونَ مَا سِوَاهُ ، وَمِنْ ذِكْرِ نَعْمَائِهِ عَلَيْهِمْ ؛ وَمِنْ ذِكْرِ مَا وَعَدَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ صُنُوفِ النَّعِيمِ وَاللَّذَّاتِ ، وَلَيْسَ عِنْدَ الْمَخْلُوقِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا ؛ فَهَذَا الْوَجْهُ يُحَقِّقُ التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ وَالشُّكْرَ لَهُ وَمَحَبَّتَهُ عَلَى إحْسَانِهِ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : إنَّ تَعَلُّقَ الْعَبْدِ بِمَا سِوَى اللَّهِ مَضَرَّةٌ عَلَيْهِ ؛ إذَا أَخَذَ مِنْهُ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى حَاجَتِهِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّهُ إنْ نَالَ مِن الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَوْقَ حَاجَتِهِ ؛ ضَرَّهُ وَأَهْلَكَهُ ؛ وَكَذَلِكَ مِن النِّكَاحِ وَاللِّبَاسِ ؛ وَإِنْ أَحَبَّ شَيْئاً حُبّاً تَامّاً بِحَيْثُ يخالله فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْأَمَهُ ؛ أَوْ يُفَارِقَهُ . وَفِي الْأَثَرِ الْمَأْثُورِ : { أَحْبِبْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ . وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلَاقِيهِ . وَكُنْ كَمَا شِئْتَ فَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ } . وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئاً لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَضُرَّهُ مَحْبُوبُهُ ؛ وَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَباً لِعَذَابِهِ ؛ وَلِهَذَا كَانَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ يُمَثَّلُ لِأَحَدِهِمْ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أَقْرَعَ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتِهِ . يَقُولُ : أَنَا كَنْزُكَ . أَنَا مَالُك . وَكَذَلِكَ نَظَائِرُ هَذَا فِي الْحَدِيثِ : يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : { يَا ابْنَ آدَمَ ؛ أَلَيْسَ عَدْلاً مِنِّي أَنْ أُوَلِّيَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ فِي الدُّنْيَا ؟ } وَأَصْلُ التَّوَلِّي